البغدادي
388
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
الكسائيّ عن العرب ، هو قولهم : هذا غلام واللّه زيد . وليس في كلامه أيضا ما يؤيّد القراءة ، وإنّما هو طاعن فيها تبعا للزمخشريّ وغيره . وكنت أظن أنّ صاحب الكشّاف مسبوق بابن الأنباريّ ، فراجعت ترجمتهما فرأيت الأمر بالعكس ، فإنّ الزمخشريّ توفّي يوم عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ، وابن الأنباريّ مات ليلة الجمعة تاسع شعبان سنة سبع وسبعين وخمسمائة وهو تلميذ الجواليقي « صاحب المعرّبات » وابن الشجريّ « صاحب الأمالي » ، والزمخشريّ من أقران ابن الشجريّ ، فابن الأنباريّ متأخّر عن الزمخشريّ بأربع طبقات . والزمخشريّ في طعنه على هذه القراءة مسبوق أيضا بالفرّاء ، فكان ينبغي الردّ على الفرّاء ، فإنّه هو الذي فتح ابتداء باب القدح على قراءة ابن عامر . قال السّمين : قراءة ابن عامر متواترة صحيحة ، وقد تجرأ كثير من الناس على قارئها بما لا ينبغي ، وهو أعلى القرّاء السبعة سندا ، وأقدمهم هجرة ، وإنّما ذكرنا هذا تنبيها على خطأ من ردّ قراءته ، ونسبه إلى لحن أو اتباع مجرّد المرسوم . وقال أبو عليّ الفارسيّ : هذا قبيح قليل الاستعمال ، ولو عدل عنها كان أولى ، لأنهم لم يفصلوا بين المتضايفين بالظرف في الكلام مع اتساعهم في الظروف ، وإنما أجازوه في الشعر . وقال أبو عبيد : لا أحبّ قراءة ابن عامر لما فيها من الاستكراه ، والقراءة عندنا هي الأولى لصحتها في العربية مع إجماع أهل المصرين بالعراق عليها . وقال الزمخشريّ - وأساء في عبارته - : وأما قراءة ابن عامر فشئ لو كان في مكان الضرورة لكان سمجا مردودا كما سمج وردّ : * زجّ القلوص أبي مزاده * فكيف به في الكلام المنثور ، فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته . والذي حمله على ذلك ، أنّه رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوبا بالياء . ولو قرأ بجرّ الأولاد والشركاء لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم ، لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب . وهذه الأقوال كلّها لا ينبغي أن يلتفت إليها ، لأنّها طعن في المتواتر ، وإن كانت صادرة عن أئمة أكابر . وأيضا فقد انتصر لها من يقابلهم ، وجاء في الحديث : « هل أنتم تاركو لي صاحبي » .